ابن عربي

124

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

يقول : وهذه الحضرة القطبية الإمامية حضرة التصريف والتدبير ، وبها يظهر عالم التدوين والتسطير والتمليك والتسخير قد سكنتها أي فيها حكمة عجيبة يريد موسوية وعيسوية وإبراهيمية ، وكل ما تعلق بذلك الفن من نبي عجمي ، وقوله : لطيفة إيماء يريد ضعيفة الإشارة ، وقوله : مريضة أجفان : يقول : معشوقة المنظر فيها حنان ورقة وتعطف فيرجو الكلف بها أن ينال مقصوده منها لما هي عليه من الحنان ، ولهذا قال : تحيّي أي تسلم فتحيي بسلامها من أماته النظر إليها عندما لحظته هيبة وجلالا ، وقوله : فجاءت بحسنى بعد حسن وإحسان كما قال لجبريل عليه السلام : « إنّ الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 1 » وهذا مقام وإحسان آخر دونه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، فإلى هذا هي الإشارة بقوله : بحسنى بعد حسن ، وأما قوله : وإحسان هو ما يهبك هذا التجلي الامتناني من لطائف المعارف وشواهد هذه الفرائد ولآلي الأسرار وجواهر العلوم . [ ما ظهر له عند المبايعة الإلهية من المعارف والعلوم ] وقال رضي اللّه عنه : نفسي الفداء لبيض خرّد عرب * لعبن بي عند لثم الرّكن والحجر ما تستدلّ إذا ما تهت خلفهم * إلّا بريحهم من طيّب الأثر يقول : عند المبايعة الإلهية ، ظهر لي علوم في صورة متجسدة في عالم التمثل حسان ثبتن عن أنفسها بمعلوماتها ، ولكن مقام الإيمان لا من حيث العقل ولذلك جعلها خردا أي حييّات وقوله : ما تستدل أي ما تجد دليلا إذا جئت في طلبهم إلا بما تركوه من آثارهم الطيبة في قلوب العارفين الحاملين لهذه العلوم ، فإنّ المعاني إذا قامت بشيء أوجبت له حكمها ووصف الطالبين لها بالتيه الذي هو مقام الحيرة لعلوها وعزة إدراكها ، ثم قال : ولا دجى بي ليل ما به قمر * إلّا ذكرتهم فسرت في القمر يقول : ولا دجى بي ليل جهالة وذكرتهم إلا أقمر ليل جهالتي هذا حال سلوك وقد يقول : ولا دجى بي ليل حيرة وتيها إلا فكان ذكري إياهم سبب لإزالة ذلك التيه والحيرة لوقوفي بهم على حقائق الأمر على ما هو عليه ذلك الأمر . وإنما حين أمسي في ركابهم * فاللّيل عندي مثل الشمس في البكر يقول : وإنما حين أمسي صحبة هذه العلوم فلا جهل يعتريني ولا حيرة وتكون حيرتي مثل الشمس أي تظهر علوما ومعارف ، وقوله : في البكر معها راحة فإنّ الشمس في الظهيرة لا يستطاع المشي إليها لشدة حرها فتكون المشتاق عند ذلك ، فلهذا قيد بالبكر .

--> ( 1 ) سبق تخريجه .